حيدر حب الله
610
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
هذه المدينة لا يعرفون شيئاً أكثر من تلك الكلمات التي يدرسونها في الفقه وأصوله عند هذا الأستاذ أو ذاك ، بسبب انغلاقهم الفكري وعدم انفتاحهم على اللغة ، ولا على القضايا الفكريّة الأخرى . كما تجد بعضهم بدل أن يستفيد من أكبر عدد من الأساتذة يحصر نفسه لعشرين عاماً أو أكثر في الدراسة عند أستاذ واحد أو يضع على هذا الأستاذ أو ذاك ( فيتو ) ، فيزيد ذلك من انغلاقه الفكري وتقوقعه . إنّ العزلة النسبية التي يعيشها طالب العلم في المدن الكبرى تسمح بخلق حالة انغلاق إذا لم يعرف كيف يدير حركته الدراسية والعلميّة والوقتية . وانقطاعه عن تحدّيات المجتمع بسبب هذه العزلة - رغم وجود مختلف وسائل الاتصال المعرفي - يُضعف من إحساسه بالمسؤوليّة الدينية والفكريّة والاجتماعيّة ، فلا تجده يخرج من المدينة إلا لغرض الصلاة جماعة في قريته في شهري رمضان ومحرّم ، أو قراءة العزاء ، أو للتبليغ الموسمي هنا وهناك ، وهذا كلّه تسبّب في خلق جيل منغلق فكريّاً ، غريب في لغته عن لغة العصر ، بعيد عن هموم الشباب اليوم ، غير متابع لأزمات المعرفة الدينية في مشهدها الحاضر ، وغير متحسّس لحجم الخطورة التي نعيشها في هذه اللحظة ، مما يهزّ عنده ميزان الأولويات . ولهذا رأينا بعض الذين هاجروا من بلدانهم قد تبدّل حالهم من أشخاص كانوا واعين جدّاً حركيين متفاعلين مثقّفين عصريّين إلى أشخاص قتلتهم العزلة بهذا المعنى للكلمة ، طبعاً مع التأكيد على أنّ هذه الحالة ليست عامّة أبداً ، وإنّما أشير إليها للتذكير والتنبّه . 4 - بناءً عليه ، فمن يريد الهجرة إلى المدن الكبرى ، فإمّا أن يدير حركته بالطريقة الصحيحة التي لا تُفسد عليه فكره وتوجّهه ومنطلقاته وآليات عمله